الآلوسي

220

تفسير الآلوسي

الذين أسكنوا الأرض دهراً طويلاً ففسدوا فبعث الله تعالى عليهم جنداً من الملائكة يقال لهم الجن أيضاً وهم خزان الجنة - اشتق لهم اسم منها - فطردوهم إلى شعوب الجبال والجزائر . والذي عليه السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ، أنهم ما عدا العالمين ممن كان مودعا شيئاً من أسماء الله تعالى وصفاته ، وأن العالمين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات ، وقوله تعالى : * ( أستكبرت أم كنت من العالين ) * ( ص : 75 ) يشير إلى ذلك عندهم ، وجعلوا من أولئك الملك المسمى بالروح وبالقلم الأعلى وبالعقل الأول وهو المرآة لذاته تعالى ، فلا يظهر بذاته إلا في هذا الملك ، وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب والأعراف ، وما من شيء إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه ، وهو قد كان عالماً بخلق آدم ورتبته ، فإنه الذي سطر في اللوح ما كان وما يكون ، واللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه ، وقد ظهر هذا الملك بكماله في الحقيقة المحمدية كما يشير إليه قوله تعالى : * ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) * ( الشورى : 52 ) ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق ، بل هو الخليفة على الحقيقة في السبع الطباق ، وليس هذا بالبعيد فليفهم . وجاعل اسم فاعل من الجعل بمعنى التصيير فيتعدى لاثنين ، والأول : هنا خليفة ، والثاني : * ( في الأرض ) * أو بمعنى الخلق فيتعدى لواحد ، ف * ( في الأرض ) * متعلق بخليفة ، وقدم للتشويق وعمل الوصف لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه ، ورجح في " البحر " كونه بمعنى الخلق لما في المقابل ، ويلزم - على كونه بمعنى التصيير - ذكر خليفة أو تقديره فيه . والمراد من الأرض إما كلها وهو الظاهر ، وبه قال الجمهور ، أو أرض مكة ، وروي هذا مرفوعاً والظاهر أنه لم يصح ، وإلا لم يعدل عنه ، وخص سبحانه الأرض لأنها من عالم التغيير والاستحالات ، فيظهر بحكم الخلافة فيها حكم جميع الأسماء الإلهية التي طلب الحق ظهوره بها بخلاف العالم الأعلى ؛ والخليفة من يخلف غيره وينوب عنه ، والهاء للمبالغة ، ولهذا يطلق على المذكر ، والمشهور أن المراد به آدم عليه السلام وهو الموافق للرواية ولإفراد اللفط ولما في السياق ، ونسبة سفك الدم والفساد إليه حينئذٍ بطريق التسبب أو المراد - بمن يفسد - الخ من فيه قوة ذلك ، ومعنى كونه خليفة أنه خليفة الله تعالى في أرضه ، وكذا كل نبي استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى ، ولكن لقصور المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية ، وذاته تعالى في غاية التقدس ، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد وتعلق ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى . وقيل : هو وذريته عليه السلام ، ويؤيده ظاهر قول الملائكة ، فإلزامهم حينئذٍ بإظهار فضل آدم عليهم لكونه الأصل المستتبع من عداه ، وهذا كما يستغني بذكر أبي القبيلة عنهم ، إلا أن ذكر الأب بالعلم وما هنا بالوصف ، ومعنى كونهم خلفاء أنهم يخلفون من قبلهم من الجن بني الجان أو من إبليس ومن معه من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك على ما نطقت به الآثار ، أو أنه يخلف بعضهم بعضاً ، وعند أهل الله تعالى المراد بالخليفة آدم وهو عليه السلام خليفة الله تعالى وأبو الخلفاء والمجلي له سبحانه وتعالى ، والجامع لصفتي جماله وجلاله ، ولهذا جمعت له اليدان وكلتاهما يمين ، وليس في الموجودات من وسع الحق سواه ، ومن هنا قال الخليفة الأعظم صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى خلق آدم على صورته أو - على - صورة الرحمن " وبه جمعت الأضداد وكملت النشأة وظهر الحق ، ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام ، بل متى فارق هذا