الآلوسي
203
تفسير الآلوسي
وأجاز أبو البقاء كونها حالاً من * ( الذين ) * أو من * ( جنات ) * لوصفها وهي حينئذٍ حال مقدرة والأصل في الحال المصاحبة ، والقول بأنها صفة مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت بذلك النعت وإلا لاحتاج إليه ولا قطع مع الحاجة ، و * ( كلما ) * نصب على الظرفية ب * ( قالوا ) * ، و * ( رزقاً ) * مفعول ثان لرزقوا كرزقه مالاً أي أعطاه ، وليس مفعولاً مطلقاً مؤكداً لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف ، والتأسيس خير من التأكيد مع اقتضاء ظاهر ما بعده له ، وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعاً لذيذاً غير ما تعرفونه ، و ( من ) الأولى والثانية للابتداء قصد بهما مجرد كون المجرور بهما موضعاً انفصل عنه الشيء ، ولذا لا يحسن في مقابلتها نحو - إلى وهما - ظرفان مستقران واقعان حالاً على التداخل ، وصاحب الأولى : * ( رزقاً ) * والثانية : ضميره المستكن في الحال ، والمعنى كل حين رزقوا - مرزوقاً - مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة ، والشائع كونهما لغواً ، والرزق قد ابتدأ من الجنات ، والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وجعل بمنزلة أن تقول : أعطاني فلان ، فيقتل : من أين ؟ فتقول : من بستانه ، فيقول : من أي ثمرة ؟ فتقول : من الرمان ، وتحريره أن * ( رزقوا ) * جعل مطلقاً مبتدأ من الجنات ثم جعل مقيداً بالابتداء من ذلك مبتدأ من ثمرة ، وعلى القولين لا يرد أنهم منعوا تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد والآية تخالفه ، أما على الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلأن ذاك إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداءً من غير تبعية . وما نحن فيه ليس كذلك للإطلاق والتقييد والمراد من الثمرة على هذا النوع - كالتفاح والرمان - لا الفرد لأن ابتداء الرزق من البستان من فرد يقتضي أن يكون المرزوق قطعة من لا جميعه وهو ركيك جداً ، ويحتمل أن تكون الثانية مبينة للمرزوق والظرف الأول لغو والثاني مستقر خلافاً لمن وهم فيه وقع حالاً من النكرة لتقدمه عليها ولتقدمها تقديراً جاز تقديم المبين على المبهم ، والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجنأة الواحدة ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول ، و * ( رزقاً ) * مصدر مؤكد أو في موقع الحال من * ( رزقاً ) * لبعده مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزأ لمجرورها لا جزئياً فتأتي الركاكة ههنا ، وجمع سبحانه بين * ( منها ) * و * ( من ثمرة ) * ولم يقل - من ثمرها - بدل ذلك لأن تعلق * ( منها ) * يفيد أن سكانها لا تحتاج لغيرها لأن فيها كل ما تشتهي الأنفس ، وتعلق * ( من ثمرة ) * يفيد أن المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق ، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا ويكفي إحساس أفراده وهذا كقولك مشيراً إلى نهر جار هذا الماء لا ينقطع أو إلى شخصه ، والإخبار عنه ب ( الذي ) الخ على جعله عينه مبالغة أو تقدير مثل الذي رزقناه من قبل أي في الدنيا ، والحكمة في التشابه أن النفس تميل إلى ما يستطاب وتطلب زيادته . أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره * هو المسك ما كررته يتضوع وهذا مختلف بحسب الأحوال والمقامات ، أو لتبيين المزية وكنه النعمة فيما رزقوه هناك إذ لو كان جنساً لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك أو في الجنة ، والتشابه في الصورة إما مع الاختلاف في الطعم - كما روي عن الحسن : " إن أحدهم يؤتي بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك ؟ فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف " أو مع التشابه في الطعم أيضاً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها " فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، والداعي لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم .