الآلوسي
194
تفسير الآلوسي
لمماثلتها للقرآن فذكر اللازم وأريد الملزوم سلوكاً لطريق الكناية مع ما في لفظ ( من ) التبعيضية الدالة على القلة من المبالغة المناسبة لمقام التحدي ، وبهذا رجح بعضهم التبعيض على التبيين مع ما في التبيين من التصريح بما علم ضمناً حيث إن المماثلة للقرآن تفهم من التعبير بالسورة إلا أنه مؤيد بما يأتي ، وعلى الثاني يتعين أن تكون ( من ) للابتداء مثلها في * ( إنه من سليمان ) * ( النمل : 30 ) ويمتنع التبعيض والتبيين والزيادة امتناع الابتداء في الوجه الأول ، وإما أن تكون صلة * ( فأتوا ) * . والشائع أنه يتعين حينئذ عود الضمنير للعبد لأن ( من ) لا تكون بيانية إذ لا مبهم ، ولكونه مستقراً أبداً لا تتعلق بالأمر لغواً ولا تبعيضية وإلا لكان الفعل واقعاً عليه حقيقة كما في - أخذت من الدراهم - ولا معنى لإتيان البعض بل المقصد الاتيان بالبعض ، ولا مجال لتقدير الباء مع وجود ( من ) ولأنه يلزم أن يكون * ( بسورة ) * ضائعاً فتعين أن تكون ابتدائية ، وحينئذ يجب كون الضمير للعبد لا للمنزل ، وجعل المتكلم مبدأ عرفاً للاتيان بالكلام منه معنى حسن مقبول بخلاف جعل الكل مبدأ للاتيان ببعض منه فإنه لا يرتضيه ذو فطرة سليمة ، وأيضاً المعتبر في مبدأ الفعل هو المبدأ الفاعلي أو المادي ، أو الغائي ، أو جهة يتلبس بها وليس الكل بالنسبة إلى الجزء شيئاً من ذلك ، وعليه يكون اعتبار مماثلة المأتي به للقرآن في البلاغة مستفاداً من لفظ السورة ، ومساق الكلام بمعونة المقام . واعترض بأن معنى ( من ) لا ينحصر فيما ذكر فقد تجيء للبدل نحو * ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) * ( التوبة : 38 ) * ( لجعلنا منكم ملائكة ) * ( الزخرف : 60 ) وللمجاوزة كعذت منه ، فعلى هذا لو علق * ( من مثله ) * ب * ( فأتوا ) * وحمل ( من ) على البدل أو المجاوزة و - مثل - على المقحم ورجع الضمير إلى * ( ما أنزلنا ) * على معنى : فأتوا بدل ذلك الكتاب العظيم شأنه ، الواضح برهانه أو مجاوزين من هذا الكتاب مع فخامة أثره وجلالة قدره بسورة فذة - لكان أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز ، على أن عدم صحة شيء مما اعتبر في المبدأ ممنوع فإن الملابسة بين الكل والبعض أقوى منها بين المكان والمتمكن ، فكما يجوز جعل المكان مبدأ الفعل المتمكن يجوز أن يجعل الكل مبدأ للإتيان بالبعض ، ولعل من قال ذلك لم يطرق سمعه قول سيبويه : وبمنزلة المكان ما ليس بمكان ولا زمان نحو - قرأت من أول السورة إلى آخرها ، وأعطيتك من درهم إلى دينار - وأيضاً فالاتيان ببعض الشيء تفريقه منه ، ولا يستراب أن الكل مبدأ تفريق البعض منه ، ويمكن أن يقال وهو الذي اختاره مولانا الشهاب أن المراد من الآية التحدي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه ، فمقتضى المقام أن يقال لهم : معاشر الفصحاء المرتابين في أن القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه ، وما ذكر يدل على هذا إذا كان من مثله صفة سورة سواء كان الضمير لما أو للعبد لأن معناه ائتوا بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد ، مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضاً ، فإذا تعلق ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضاً ائتوا من مثل هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرنا ، ولو رجع على هذا لما كان معناه ائتوا من مثل هذا المنزل بسورة ، ولا شك أن ( من ) ليست بيانية لأنها لا تكون لغواً ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية والمبدأ ليس فاعلياً بل مادياً ، فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به ، فلا يخلو من أن يدعى وجوده وهو خلاف الواقع وابتناؤه على الزعم أو الفرض تعسف بلا مقتضىٍ أولاً ولا يليق بالتنزيل ، وكيف يأتون ببعض من شيء لا وجود له ؟ ! والحق عندي أن رجوع الضمير إلى كل من العبد ، و ( ما ) على تقديري اللغو والاستقرار