ابن تيمية

19

الإيمان

من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وكذلك قال سائر المفسرين . . قال مجاهد : كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم : إنما سموا جهالا لمعاصيهم لا أنهم غير مميزين . وقال الزجاج : ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء ؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءا ؛ وإنما يحتمل أمرين . ( أحدهما ) : أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه . والثاني : أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة وآثروا العاجل على الآجل ؛ فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة . فقد جعل الزجاج " الجهل " إما عدم العلم بعاقبة الفعل وإما فساد الإرادة ؛ وقد يقال : هما متلازمان وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية . والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل ، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله ؛ وإنما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله إذ لو تم خوفه من الله لم يعص . ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه : كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا . وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه وتصور المحبوب يوجب طلبه فإذا لم يهرب من هذا ولم يطلب هذا ؛ دل على أنه لم يتصوره تصورا تاما ؛ ولكن قد يتصور الخبر عنه ، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه . وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوبا له ولا مكروها ؛ فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره ولا يورثه ذلك هربا ولا طلبا . وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له