ابن تيمية

6

الإيمان

وقال سفيان بن عيينة : كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه . رواه ابن أبي الدنيا في " كتاب الإخلاص " . فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان ؛ صلح الجسد بالإسلام وهو من الإيمان ؛ يدل على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل : « هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم » . فجعل " الدين " هو الإسلام والإيمان والإحسان . فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة لكن هو درجات ثلاث : " مسلم " ثم " مؤمن " ثم " محسن " كما قال تعالى : « ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله » والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة بخلاف الظالم لنفسه . وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب ؛ لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن ؛ فإنه معرض للوعيد كما سيأتي بيانه إن شاء الله . وأما " الإحسان " فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان . " والإيمان " أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام . فالإحسان يدخل فيه الإيمان والإيمان يدخل فيه الإسلام والمحسنون أخص من المؤمنين والمؤمنون أخص من المسلمين ؛ وهذا كما يقال : في " الرسالة والنبوة " فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها ؛ فكل رسول نبي وليس كل نبي