محمد بن يزيد المبرد

92

الفاضل

يشيع الغنى إن ناله وكأنّما يلاقى به البأساء عيسى بن مريما أخاف الهوى حتى تجنّبه الهوى كما اجتنب الجاني الدم الطالب الدما وأكثر ما تلقاه في القوم صامتا وإن قال بدّ القائلين فأفحما وقال آخر « 1 » : إني ليمنعنى من ظلم ذي رحم لبّ أصيل وحلم غير ذي وصم إن لآن لنت وإن دبّت عقاربه ملأت كفّيه من عفو ومن كرم ويروى أن الأحنف كان حليما وقورا عالما فقيها ، وكانت الملوك ترجع إلى رأيه وتعمل بقوله ، وذكروا أن ختنا « 2 » له أراد أن يستفز حلمه فقال : ملأتنا ابنتك البارحة من دمائها ، فقال : نعم إنها من نسوة يخبأن ذلك لأزواجهنّ ، فقال : إني حملت على نفسي البارحة في جماعها ، فقال : ما زوّجناك إلَّا لذلك . وكان يقول « 3 » : ما نازعني أحد إلا أخذت عليه بإحدى ثلاث : إن كان فوقى عرفت له قدره ، وإن كان دونى رفعت نفسي عنه ، وإن كان مثلي تفضّلت عليه . ويروى « 4 » أن معاوية قال له : يا أحنف ، أأنت صاحبنا يوم صفّين ، والمخذول « 5 » عن أمير المؤمنين ؟ فقال الأحنف : واللَّه يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها يومئذ لفى صدورنا ، وإنّ سيوفنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن دنوت إلينا شبرا من خير لندنونّ إليك ذراعا من عذر « 6 » ، ولئن شئت ليصفونّ لك ودّنا بفضل حلمك عنّا . قال : قد شئت . وروى زبير عن رجاله قال : دخلت « 7 » على معاوية موجدة على يزيد ، فأرق

--> « 1 » الصداقة 109 ، الذخائر والأعلاق 140 ، وفى لباب الآداب 381 للأسيدى . « 2 » الأصل : « خشالة » . « 3 » نسب هذا القول في غرر الخصائص الواضحة إلى أسماء بن خارجة بن حصن بن بدر الفزاري ] « 4 » شرح الزيدونية ( 1290 ه ) ص 57 . « 5 » الأصل : « والمخذل » « 6 » الأصل : « غدر » بفتحتين مشكولا « 7 » رواه الحصري 3 : 61