محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
169
سبل السلام
والتيسير لأمور الآخرة بأن يهون عليه المشاق فيها ويرجح وزن الحسنات ويلقي في قلوب من هم عنده حق يجب استيفاؤه منه في الآخرة المسامحة وغير ذلك . ويؤخذ منه أن من عسر على معسر عسر عليه ، ويؤخذ منه أنه لا بأس على من عسر على موسر لان مطله ظلم يحل عرضه وعقوبته . الثالثة : من ستر مسلما اطلع منه على ما لا ينبغي إظهاره من الزلات والعثرات فإنه مأجور بما ذكره من ستره في الدنيا والآخرة ، فيستره في الدنيا بأن لا يأتي زلة يكره اطلاع غيره عليها ، وإن أتاها لم يطلع الله عليها أحدا ، وستره في الآخرة بالمغفرة لذنوبه وعدم إظهار قبائحه وغير ذلك ، وقد حث صلى الله عليه وسلم على الستر فقال في حق ماعز هلا سترت عليه بردائك يا هزال . وقال العلماء : وهذا الستر مندوب لا واجب فلو رفعه إلى السلطان كان جائزا له ولا يأثم به . قلت : ودليله أنه ( ص ) لم يلم هزالا ولا أبان له أنه آثم ، بل حرضه على أنه كان ينبغي له ستره ، فإن علم أنه تاب وأقلع حرم عليه ذكر ما وقع منه ووجب عليه ستره ، وهو في حق من لا يعرف بالفساد والتمادي في الطغيان ، وأما من عرف بذلك فإنه لا يستحب الستر عليه بل يرفع أمره إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة ، وذلك لان الستر عليه يغريه على الفساد ويجرئه على أذية العباد ويجرئ غيره من أهل الشر والعناد ، وهذا يعد انقضاء فعل المعصية . فأما إذا رآه وهو فيها فالواجب المبادرة لإنكارها والمنع منها مع القدرة على ذلك ، ولا يحل تأخيره ، لأنه من باب إنكار المنكر لا يحل تركه مع الامكان . وأما إذا رآه يسرق مال زيد فهل يجب عليه أخبار زيد بذلك أو ستر السارق ؟ الظاهر أنه يجب عليه إخبار زيد ، وإلا كان معينا للسارق بالكتم منه على الاثم والله تعالى يقول : * ( ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) * . وأما جرح الشهود والرواة والامناء على الأوقاف والصدقات وغير ذلك فإنه من باب نصيحة المسلمين الواجبة على كل من اطلع عليها ، وليس من الغيبة المحرم بل من النصيحة الواجبة وهو مجمع عليه . الرابعة : الاخبار بأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ، فإنه دال على أنه تعالى يتولى إعانة من أعان أخاه ، وهو يدل على أنه يتولى عونه في حاجة العبد التي يسعى فيها ، وفي حوائج نفسه فينال من عون الله ما لم يكن يناله بغير إعانته ، وإن كان تعالى هو المعين لعبده في كل أموره ، لكن إذا كان في عون أخيه زادت إعانة الله ، فيؤخذ منه أنه ينبغي للعبد أن يشتغل بقضاء حوائج أخيه فيقدمها على حاجة نفسه لينال من الله كمال الإعانة في حاجاته . وهذه الجمل المذكورة في الحديث دلت على أنه تعالى يجازي العبد من جنس فعله ، فمن ستر ستر عليه ، ومن يسر يسر عليه ، ومن أعان أعين . ثم إنه تعالى بفضله وكرمه جعل الجزاء في الدارين في حق الميسر على المعسر والساتر للمسلم ، وجعل تفريج الكربة يجازي به في يوم القيامة ، كأنه لعظائم يوم القيامة أخر عز وجل جزاء تفريج الكربة ، ويحتمل أن يفرج عنه في الدنيا أيضا لكنه طوي في الحديث وذكر ما هو أهم . 3 1 - ( وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ص ) : من دل على خير فله مثل أجر فاعله أخرجه مسلم . دل الحديث على أن الدلالة على