محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
111
سبل السلام
الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم من الصحابة . وقال ابن المبارك : يكره النذر في الطاعة والمعصية ، فإن نذر بالطاعة ووفى به كان له أجر . وذهب النووي في شرح المهذب إلى أن النذر مستحب ، وقال المصنف : وأنا أتعجب ممن أطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي الصريح فأقل درجاته أن يكون مكروها . قال ابن العربي : النذر شبيه بالدعاء فإنه لا يرد القدر لكنه من القدر ، وقد ندب إلى الدعاء ونهى عن النذر لان الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله والخضوع والتضرع ، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول ، وترك العمل إلى حين الضرورة ا ه . قلت : القول بتحريم النذر هو الذي دل عليه الحديث ، ويزيد تأكيدا تعليله بأنه لا يأتي بخير ، فإنه يصير اخراج المال فيه من باب إضاعة المال ، وإضاعة المال محرمة ، فيحرم النذر بالمال كما هو ظاهر قوله : وإنما يستخرج به من البخيل . وأما النذر بالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحوها من الطاعات فلا تدخل في النهي ، ويدل له ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى : * ( يوفون بالنذر ) * قال : كانوا ينذرون طاعات من الصلاة والصيام وسائر ما افترض الله عليهم . وهو وإن كان أثرا فهو يقويه ما ذكر في سبب نزول الآية . هذا وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها . لان الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر ، ويجلب الخير ويدفع الشر ويعافي الأليم ، ويشفي السقيم ، وهذا هو الذي كأني فعله عباد الأوثان بعينه ، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن . ويحرم قبضه ، لأنه تقرير على الشرك . ويجب النهي عنه وإبانة أنه من أعظم المحرمات ، وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام ، لكن طال الأمد حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا ، وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور على الأموات ، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات . وينحر في بابه النحائر من الانعام . وهذا هو بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقد أشبعنا الكلام في هذا في رسالة تطهير الاعتقاد عن درن الالحاد . والحديث ظاهر في النهي عن النذر مطلقا ، ما ينذر به ابتداء كمن ينذر أن يخرج من ماله كذا ، وما يتقرب به معلقا ، كأن يقول : إن قدم زيد تصدقت بكذا . 12 - ( وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ص ) : كفارة النذر كفارة يمين رواه مسلم وزاد الترمذي فيه إذا لم يسم وصححه ) الحديث دليل على أن من نذر بأي نذر من مال أو غيره فكفارته كفارة يمين ولا يجب الوفاء به ، وإلى هذا ذهب جماعة من فقهاء أهل الحديث كما قال النووي . وقد أخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها : في رجل جعل ماله في المساكين صدقة قالت : كفارة يمين وأخرج أيضا عن أم صفية أنها سمعت عائشة رضي الله عنها وإنسان يسألها عن الذي يقول كل ماله في سبيل الله أو كل ماله في رتاج الكعبة ، ما يكفر ذلك ؟ قالت عائشة : يكفره ما يكفر اليمين وكذا أخرجه عن عمر وابن عمر وأم سلمة ، قال البيهقي : هذا في غير العتق