محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
104
سبل السلام
أيوب يرفعه تارة وتارة لا يرفعه ، قال البيهقي : لا يصح رفعه إلا عن أيوب مع أنه شك فيه . قلت : كأنه يريد أنه رفع تارة ووقفه أخرى ، ولا يخفى أن أيوب ثقة حافظ لا يضر تفرده برفعه ، وكونه وقفه تارة لا يقدح فيه ، لان رفعه زيادة عدل مقبولة ، وقد رفعه عبد الله العمري وموسى بن عقبة ، وكثر بن فرقد ، وأيوب بن موسى ، وحسان بن عطية ، كلهم عن نافع مرفوعا فقوى رفعه . على أنه وإن كان موقوفا فله حكم الرفع إذ لا مسرح للاجتهاد فيه . وإلى ما أفاده الحديث ذهب الجماهير ، وقال ابن العربي : اجمع المسلمون بأن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا قال : ولو جاز منفصلا كما قال بعض السلف لم يحنث أحد في يمين ولم يحتج إلى الكفارة . واختلفوا في زمن الاتصال . فقال الجمهور : هو أن يقول إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضره التنفس . قلت : وهذا هو الذي تدل له الفاء في قوله : فقال . وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه ، وقال عطاء : قدر حلبة ناقة ، وقال سعيد بن جبير : بعد أربعة أشهر ، وقال ابن عباس : له الاستثناء أبدا متى يذكر . قلت : وهذه تقادير خالية عن الدليل ، وقد تأول بعضهم هذه الأقاويل بأن مرادهم أنه يستحب له أن يقول إن شاء الله تبركا ، أو يجب على ما ذهب إليه بعضهم لقوله تعالى : * ( واذكر ربك إذا نسيت ) * فيكون الاستثناء رافعا للإثم الحاصل بتركه أو لتحصيل ثواب الندب على القول باستحبابه . ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث . واختلفوا هل الاستثناء مانع للحنث في الحلف بالله وغيره من الطلاق والعتاق وغيره من الظهار والنذر والاقرار ؟ فقال مالك : لا ينفع إلا في الحلف بالله دون غيره ، واستقواه ابن العربي واستدل بأنه تعالى قال : * ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) * فلا يدخل في ذلك اليمين الشرعية وهي الحلف بالله . وذهب أحمد إلى أنه لا يدخل العتق لما أخرجه البيهقي من حديث معاذ مرفوعا إذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم تطلق ، وإذا قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر إلا أنه قال البيهقي : تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول ، واختلف عليه في إسناده . وذهبت الهادوية إلى أن الاستثناء بقوله إن شاء الله معتبر فيه أن يكون المحلوف عليه فيما شاءه الله أو لا يشاؤه ، فإن كان مما يشاؤه الله بأن كان واجبا أو مندوبا أو مباحا في المجلس أو حال التكلم - لان مشيئة الله حاصلة في الحال - فلا تبطل اليمين بل تنعقد به وإن كان لا يشاؤه بأن يكون محظورا أو مكروها فلا تنعقد اليمين ، فجعلوا حكم الاستثناء بالمشيئة حكم التقييد بالشرط فيقع المعلق عند وقوع المعلق به وينتفي بانتفائه ، وكذا قوله إلا أن يشاء الله حكمه حكم إن شاء الله . ولا يخفى أن وفي قوله فقال : إن شاء الله دليل على أنه لا في الاستثناء النية ، وهو قول كافة العلماء . وحكي عن بعض المالكية صحة الاستثناء بالنية من غير لفظ ، وإلى هذا أشار البخاري وبوب عليه باب النية في الايمان - يعني بفتح الهمزة ومذهب الهادوية صحة الاستثناء بالنية وإن لم يلفظ بالعموم إلا من عدد منصوص فلا بد من الاستثناء باللفظ .