السيد جعفر مرتضى العاملي

31

الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

جاؤوا معه للجهاد درساً في الشمم والفداء ، ومعنى الشجاعة ، وسر الإباء ، ولكنه درسٌ كلماته الأفعال ، وحروفه التضحيات ، واللسان الناطق به هو إيمان شامخ ، ورأي باذخ ، ويقين راسخ . أما جيوش الروم فوجدت نفسها أمام التحدي الكبير ، فواجهت اندفاع جعفر للتضحية والفداء ، باندفاع غرائزي فيها ، يهدف إلى التنفيس عن حقد دفين ، وعن لؤم مشين وخزي وابتذال مهين ، ولاذت بأسلحتها الفتاكة ، وانهمرت على جعفر بطعناتها وضرباتها . . فقطعت يده اليمنى ، ثم اليسرى . . وذلك حين وجدوا أنفسهم أمام حرب لا تخمد نارها إلا بإسقاط راية القائد ، الذي لن يدعها تسقط ما دام حياً . . لقد آثر جعفر التخلص من الفرس ، لأنه يريد أن يفهم عدوه مدى تصميمه في حربهم ، ومدى تفانيه في الأهداف التي يحارب من أجلها . . وأن قادة الجيوش الإسلامية لا يريدون الاحتماء بالأبطال ، ولا يريدون أن يموت الناس في الدفاع عنهم ، بل هم الذين يريدون أن يموتوا قبل الناس ، من أجل حفظ دين الناس ، وحفظ أرواحهم وراحتهم . . وليست القضية مجرد خطب حماسية ، وشعارات رنانة ، بل هي مبادرة ، واستعداد ، وبذل وتضحية وجهاد ، يرونه رأي العين . . بل إن هذا القائد لا يريد أن يهرب من الموت ، ولا أن يحمي نفسه منه ، فإنه يراه خيراً وصلاحاً ، وسعادة ، ونجاحاً ، وفوزاً وفلاحاً . إنه يريد أن لا تفصله عنه حتى عدوة فرس ، فآثر التخلص منه ، فعقره . .