السيد جعفر مرتضى العاملي

44

الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

دون المستوى الذي ظنه فيهم , وأقل مما توهمه عنهم , فإذا طالت الصحبة , ودامت مخالطته لهم , فإن مستوى الإعجاب سوف يتراجع عما هو عليه ، ويتضاءل بصورة تدريجية , تبعاً لما يتكشف له من نقائص , وما يظهر له من نقاط ضعف فيهم , يسعى الناس عادةً لإخفائها ، والتستر عليها . ولكن هذا التراجع وظهور نقاط الضعف قد لا يبرر له قطع الرابطة معهم , وذلك لأن عامل الإلف , والعادة , وربما الانجذاب إلى صفات أو حالات أو مصالح معينة يجدها فيهم ، تدفعه إلى توثيق العلاقة بهم ، وإدامتها ، وتحفظ له بعض الحيوية فيها . ولكن حياة زيد بن حارثة مع رسول الله « صلى الله عليه وآله » لم تكن على هذه الصفة ، بل كان « رحمه الله » يكتشف فيه « صلى الله عليه وآله » كل آن ما هو جديد وفريد من الميزات والخصائص الإنسانية التي لا نظير لها ، والتي كان لتنامي قدرات زيد الروحية ، والإيمانية ، والفكرية ، والإدراكية الأثر الفعال في التعرف عليها ، والتفاعل معها . . 2 - ومن جهة أخرى : فإن لعلاقة الرحم بالرحم خصوصية لا توجد فيما عداها ، مما عرفه الناس وألفوه ، خصوصاً إذا كانت علاقة والد بولده ، وولد بأبيه ، ولا سيما إذا كان الوالد جليلاً ، وكان الولد عاقلاً نبيلاً . . فكيف إذا ذكت هذه العلاقة ، وتأجج أوارها بفعل مأساةٍ ، تمثلت في التحول من عز الحرية ، إلى ذل الأسر والعبودية ، حيث لا بد أن يؤذيه إحساسه بالضعف بعد القوة ، وبالمهانة والاستهانة ، بعد العيش في منازل السؤدد والكرامة ؛ فكيف إذا أصبح يواجه بالقسوة بعد الرحمة ، وبالإذلال بعد الدلال والإدلال . .