السيد جعفر مرتضى العاملي

175

الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

يفكرون في شيء واحد ، وإنما هم يفكرون بأشياء متباينة ، ومتعددة ، بعددهم جميعاً . فنفس كل فرد منهم تخضع لفكرين متناقضين فصاحبها يفكر في حفظها ، وبقائها ، وكل من معه يفكرون في إتلاف هذه النفس من أجل حفظ وجودهم هم دونه . وهكذا الحال بالنسبة لنفس كل فرد منهم ، وإذا فكر أحد منهم بحفظ نفوس الآخرين ، فإنما ذلك حين يرى فيه ضمانة لبقائه ، وحفظ نفسه هو أولاً . وذلك يوضح لنا أيضاً : السر في أن هؤلاء لا يقاتلون المؤمنين إلا من وراء جدر ، أو في قرى محصنة ، حسبما أوضحته الآية الشريفة . وما ذلك إلا لأن هؤلاء لا يعقلون معنى الحياة وأسرارها ، ولا حكمة الخلق وأهداف الوجود . فإن ذلك إنما جاء وفق المعايير والأحكام العقلية والفطرية ، فهو لا يشذ عنها ، ولا يختلف ولا يتخلف عن أحكامها ومقتضياتها . ولو أنهم فكروا وأطلقوا عقولهم من عقال الهوى ، لأدركوا ذلك كله ، ولتغيرت نظرتهم للكون وللحياة ، ولعرفوا بعضاً من أسرار الخلق والوجود ، ولتبدلت المعايير والقيم التي كانت تستند إلى أوهام وخيالات ، وتؤكدها وتفرضها الفطرة الخالصة عن الشوائب ، والبعيدة عن تجاذب الأهواء . إذاً . . فعدم التزامهم بهدى العقل ، ورفضهم الانصياع لأحكامه ، هو أصل البلاء ، وسبب العناء ، وهو ما أكدته الآية الكريمة ، التي أرجعت حالتهم التي هي غاية خزيهم وذلهم إلى ذلك ، فهي تقول : * ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ) * ( 1 ) .

--> ( 1 ) الآية 14 من سورة الحشر .