السيد جعفر مرتضى العاملي
160
الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
فإرادة الإنسان حرة طليقة ، ولكن الله يسدد ويلهم ويؤيد من تستهدفه تلك الإرادة بالشر والأذى . وبعد كل ما تقدم يتضح : أنه كان لا بد للنبي الأعظم « صلى الله عليه وآله » ، ولمن معه من المسلمين من الخروج من مكة إلى مكان أمن وسلام لا يشعرون فيه بأي ضغط ، يملكون فيه حرية الحركة ، وحرية الكلمة ، وحرية التخطيط لبناء مجتمع إسلامي يكون فيه النبي « صلى الله عليه وآله » قادراً على القيام بنشر دعوته ، وإبلاغ رسالته ، على النحو الأفضل والأكمل . سر اختيار المدينة : وأما عن سر اختيار النبي « صلى الله عليه وآله » - الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى - للمدينة بالذات داراً لهجرته ، ومنطلقاً لدعوته ، دون غيرها كالحبشة مثلاً ؛ فذلك يرجع إلى عدة عوامل ، نذكر منها ما يلي : 1 - إن مكة كانت - كما قدمنا - تتمتع بمكانة خاصة في نفوس الناس ، وبدون السيطرة عليها ، والقضاء على نفوذها الوثني ، واستبداله بالنفوذ الإسلامي ؛ فإن الدعوة تعتبر فاشلة ، وكل الجهود تبقى بدون جدوى ؛ فإن الدعوة كانت بحاجة إلى مكة ، بنفس القدر الذي كانت مكة بحاجة فيه إلى الدعوة . فلا بد من اختيار مكان قريب منها ، يمكن أن يمارس منه عليها رقابة ، ونوعاً من الضغط السياسي والاقتصادي ، وحتى العسكري إن لزم الأمر في الوقت المناسب ، حينما لا بد له من أن يفرض سلطته عليها . والمدينة ، هي ذلك الموقع الذي تتوفر فيه مقومات هذا الضغط ، فهي تستطيع مضايقة مكة اقتصادياً ؛ لوقوعها على طريق القوافل التجارية المكية ، وقريش تعيش على التجارة بالدرجة الأولى .