ابن إدريس الحلي
543
السرائر
ولا شبهة على متأمل في الظن لا حكم له مع إمكان العلم ، فكيف بثبوته ، وكيف يتوهم عاقل صحة الحكم مع ظن الصدق ، وفساده مع العلم به ، وهو تفرق يفرق بين حالتي العالم والظان . وأيضا فصحة الحكم بالإقرار والبينة أو اليمين ، فرع للعلم بالإقرار وقيام البينة ، وحصول اليمين ، وثبوت التعبد بالتنفيذ ، فلو كان العلم بصحة الدعوى أو الإنكار غير متعبد به ، لم يصح حكم بإقرار ولا بينة ولا يمين ، لوقوف صحته على العلم الذي لا يعتد به ، لأن العلم بالشئ إن اعتد به في موضع ، فهذا حكمه في كل موضع ، وإن ألقى حكمه في موضع ، فهذه حاله في كل موضع ، وذلك خروج عن الحق جملة ، إذ لا برهان عليه له يميز من الباطل غير العلم . وأيضا فلو لم يلزم الحاكم الحكم بما علمه من غير توقيف ( 1 ) على إقرار أو بينه أو يمين ، لاقتضى ذلك الحكم بما يعلم خلافه ، إذا حصل به إقرار أو بينة أو يمين ، من تسليم ما يجب المنع منه ، والمنع مما يجب تسليمه ، وقتل وقطع من علم عدم استحقاقه لهما ، وإلحاق نسب من يعلم براءة منه ، إلى غير ذلك مما لا شبهة في فساده . وأيضا فلو لم يكن الحكم بالعلم معتبرا لم يصح للحاكم تنفيذ ما تقدم الإقرار به أو الشهادة ، لضمان التنفيذ ، لأنه إن حكم في هذه الحالة ، فإنما يحكم لعلمه بماضي الإقرار والبينة ، فإذا كان الحكم بالعلم لا يصح ، لم يصح هاهنا ، والمعلوم خلاف ذلك ، إذ لا فرق بين أن يحكم ( 2 ) للعلم بالإقرار والبينة وبين العلم بصحة الدعوى أو الإنكار ، بل الثاني أظهر . وأيضا فلو كان المعتبر في الحكم الإقرار والبينة واليمين دون العلم ، لم يجز إبطال ذلك متى علم الحاكم كذب المقر أو الشهود أو الحالف ، والإجماع بخلاف ذلك . فثبت كون العلم أصلا في الأحكام ، وسقط قول من منع من تنفيذها به . وليس لأحد أن يمنع من الحكم بالعلم لنهي عنه ، أو فقد تعبد بمقتضاه ، من حيث كان ما قدمناه من الأدلة على صحة الحكم به ، وكونه غير مستند إلى علم
--> ( 1 ) ج . ل . توقف . ( 2 ) ج . أن يحكم العالم .