ابن إدريس الحلي
522
السرائر
لم يتب ، فإن العفو في جميع هذه الأحوال إلى المقذوف . وذهب شيخنا أبو جعفر في الجزء الثالث من الإستبصار ، إلى أن المقدوف بعد رفعه القاذف إلى الإمام وثبوت القذف عليه ، ليس له أن يعفو عنه ( 1 ) . والصحيح أن للمقذوف العفو على كل حال ، لأن ذلك من حقوق الآدميين ، وإلى هذا ذهب في نهايته ( 2 ) فليلحظ ذلك . ومن قذف محصنا أو محصنة ، لم تقبل شهادته بعد ذلك إلا أن يتوب ويرجع ويصلح عمله ، ولا تقبل شهادته بمجرد توبته ، إلا بعد إصلاح العمل على ما قلناه في كتاب الشهادات ( 3 ) فإنا بلغنا فيه إلى أبعد الغايات . فأما كيفية التوبة من القذف ، فإن الناس اختلفوا في ذلك ، فالذي يقوى في نفسي ويقتضيه أصول مذهبنا ، أن يقول القذف باطل حرام ، ولا أعود إلى ما قلت ، لأنه إذا قال كذبت فيما قلت ، ربما كان كاذبا في هذا ، لجواز أن يكون صادقا في الباطن ، وقد تعذر عليه تحقيقه ، فإذا قال القذف باطل حرام ، فقد أكذب نفسه ، وقوله لا أعود إلى ما قلت ، فهو ضد ما كان منه . وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته : ومن قذف محصنا أو محصنة ، لم تقبل شهادته بعد ذلك ، إلا أن يتوب ويرجع ، وحد التوبة والرجوع عما قذف ، هو أن يكذب نفسه في ملأ من الناس ، في المكان الذي قذف فيه فيما قاله ، فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته بعد ذلك ( 4 ) . إلا أنه رجع عن ذلك في مبسوطه ، في الجزء السادس في كتاب الشهادات فقال فصل في شهادة القاذف ، إذا قذف الرجل رجلا أو امرأة ، فقال زنيت أو أنت زان ، لم يخل من أحد أمرين ، إما أن يحقق قذفته ( 5 ) ، أو لا يحققه ، فإن حققه نظرت .
--> ( 1 ) الإستبصار ، ج 4 ، الباب 133 ، من كتاب الحدود ، ص 232 . ( 2 ) النهاية ، كتاب الحدود ، باب الحد في الفرية . . . ( 3 ) في الجزء الثاني : ص 116 . ( 4 ) النهاية ، كتاب الحدود ، باب الحد في الفرية . . . ( 5 ) ج . ل . قذفه .