ابن إدريس الحلي
52
السرائر
مع اللحم ، وهذا خروج منه عن الحقايق إلى المعاني ، والمقاييس ، فلا يعرج عليها ، ولا يلتفت إليها . إذا حلف لا يشم الورد ، فشم دهنه ، لا يحنث ، وكذلك البنفسج ، لأن اليمين ما تعلقت إلا بشم الورد والبنفسج ، فلا يتعدى إلى غيره ، ولا يرجع عن الحقايق إلى المجازات ، والمعاني ، والتخريجات . إذا حلف أن لا يأكل لحما فأكل لحم النعم والصيود والطيور ، حنث ، بلا خلاف ، وإن أكل لحم السمك ، ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه ، إلى أنه يحنث ، واحتج بالآية ، وهي قوله تعالى " وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا " ( 1 ) وإذا كان اسم اللحم ينطلق عليه شرعا ، وجب أن تطلق الأيمان عليه ( 2 ) . إلا أنه رجع عن ذلك في مبسوطه ، وقال لا يحنث بأكل لحم السمك ( 3 ) . وهو قوي لعرف العادة ، والأول أقوى ، للآية ، لأن عرف الشرع إذا طرأ على عرف العادة ، كان الحكم لعرف الشرع . وقال شيخنا في مسائل خلافه : إذا حلف لا شربت من نهر ، لا شربت من دجلة ، فمتى شرب من مائها ، سواء غرف بيده ، أو في كوز ، أو غيره ، أو كرع فيها كالبهيمة ، حنث ( 4 ) . إلا أنه رجع عن ذلك ، في مبسوطه ، فقال لا يحنث حتى يكرع فيها كالبهيمة ، لأنه إذا شرب غرفا بيده ، فما شرب منها ، وإنما شرب من يده ( 5 ) . وهذا الذي يقوى في نفسي ، لأن الأصل براءة الذمة ، والكلام في الحقايق دون المجاز ، وهذا هو الحقيقة ، وما عداه مجاز . ومعنى قوله كرع يقال كرع في الماء يكرع كروعا ، فهو كارع ، إذا تناوله بفيه من
--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية 14 . ( 2 ) الخلاف ، كتاب الأيمان ، مسألة 73 - 67 . ( 3 ) المبسوط ، ج 6 ، كتاب الأيمان ص 239 ، والعبارة هكذا : فإن أكل لحم الحيتان لا يحنث . ( 4 ) الخلاف ، كتاب الأيمان ، مسألة 73 - 67 . ( 5 ) المبسوط ، ج 6 ، كتاب الأيمان ، ص 232 .