ابن إدريس الحلي
14
السرائر
فأعتقها وتزوجها ، ثم مات بعد ذلك ، ولم يخلف غيرها ، فإن عتقه ونكاحه باطل ، وترد في الرق لمولاها الأول ، وإن كانت قد حملت ، كان أولادها رقا كهيئتها ، فإن خلف ما يحيط بثمن رقبتها ، فعلى الورثة أن يؤدوا ثمنها لمولاها ، وقد مضى العتق والتزويج ، ولا سبيل لأحد عليها ( 1 ) . قال محمد بن إدريس رحمه الله ، الذي يقتضيه أصول مذهب أصحابنا ، إن العتق المذكور صحيح ، لأنه أعتق ملكه بغير خلاف ، والحر لا يعود رقا ، والنكاح صحيح ، والولد حر ، والحر لا يصير عبدا ، لأنه انعقد حرا ، سواء خلف غيرها من الأموال ، أو لم يخلف ، والثمن في ذمته ، وما ذكره رحمه الله من بطلان العتق والتزويج وصيرورة أولادها إن حمل كهيئتها رقا ، غير مستقيم ولا واضح ، لأنه مخالف للأدلة القاهرة ، ومضاد للكتاب والإجماع والسنة ، المتواترة ، لأنه لا إجماع عليه ، ولا كتاب ولا سنة ، وما أورد شيخنا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ، أورده إيرادا لا اعتقادا على ما بيناه ، كما أورد أمثاله في هذا الكتاب ، أعني النهاية مما لا يعمل عليه ولا يفتي به . وقال أيضا في نهايته : وإذا أعتق الرجل مملوكه عند موته وعليه دين ، فإن كان ثمن العبد ضعفي ما عليه من الدين ، مضى العتق ، واستسعى العبد في قضاء دين مولاه ، وإن كان ثمنه أقل من ضعفي الدين كان العتق باطلا ( 2 ) . قال محمد بن إدريس رحمه الله إن أراد بقوله عند موته أنه أنجز عتقه بل موته ، فإن العتق صحيح ماض ، ولا سبيل للديان عليه ، لأنه تصرف في ملك الإنسان قبل الحجر عليه ، وللإنسان أن يتصرف في ملكه كيف شاء ، لأن الناس مسلطون على أملاكهم ، يتصرفون فيها بالبيع والهبة ، والصدقة ، والعتق ، وغير ذلك وإن أخر عتقه إلى بعد موته ، فهذا تدبير ووصية ، لأن التدبير عند أصحابنا بمنزلة الوصية ، والوصية لا تصح إلا بعد قضاء جميع الديون ، وإنما الذي أورده شيخنا في نهايته خبر واحد ، على قول من قال من أصحابنا إن العطايا المنجزة في مرضه الموت ، لا تخرج من أصل المال ، وإنما تحرج من الثلث ، لأن أصحابنا لهم في ذلك مذهبان ، فبعض
--> ( 1 ) النهاية ، كتاب العتق والتدبير ، باب العتق وأحكامه . ( 2 ) النهاية ، كتاب العتق والتدبير ، باب العتق وأحكامه .