ابن إدريس الحلي
131
السرائر
وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته ، ويكره الاستسلاف في العصير ، فإنه لا يؤمن أن يطلبه صاحبه ، ويكون قد تغير إلى حال الخمر ، بل ينبغي أن يبيعه يدا بيد ، وإن كان لو فعل ذلك لم يكن محظورا ( 1 ) . قال محمد بن إدريس رحمه الله ، ما ذكره شيخنا رحمه الله فيه نظر ، لأن السلف لا يكون إلا في الذمة ، ولا يكون في العين ، فإذا كان في الذمة فسواء تغير ما عنده إلى حال الخمر ، أو لم يتغير ، فإنه يلزمه تسليم ما له في ذمته إليه ، من أي موضع كان ، فلا أرى للكراهية وجها ، وإنما هذا لفظ خبر واحد ، أورده إيرادا . ولا بأس أن يبيع العنب والتمر ممن يعلم أن يجعله خمرا أو نبيذا ، لأن الإثم على من يجعله كذلك ، وليس على البايع شئ ، غير أن الأفضل أن يعدل عنه إلى غيره ، وقد حررنا ذلك وشرحناه في كتاب البيوع ( 2 ) ، فليلحظ من هناك ، فلا وجه لإعادته . وقال شيخنا في نهايته ، ولا يجوز أن يتداوى بشئ من الأدوية ، وفيها شئ من المسكر ، وله عنه مندوحة ، فإن اضطر إلى ذلك ، جاز أن يتداوى به للعين ، ولا يجوز أن يشربه على حال ، إلا عند خوفه على نفسه من العطش ، على ما قدمناه ( 3 ) . وقد قلنا ( 4 ) إنه لا يجوز له التداوي به لا للعين ولا غيرها ، وإنما هذا خبر واحد من شواذ أخبار الآحاد ، أورده إيرادا ورجع عنه في مسائل خلافه ( 5 ) حتى أنه حرم شربها عند الضرورة للعطش . وإليه أيضا ذهب في مبسوطه ، فإنه قال إن وجد المضطر بولا وخمرا يشرب البول دون الخمر ، لأن البول لا يسكر ولا حد في شربه ، فإن لم يجد إلا الخمر فالمنصوص لأصحابنا أنه لا سبيل لأحد إلى شربها ، سواء كان مضطرا إلى الأكل أو الشرب ، أو التداوي ، وبه قال جماعة ، وقال بعضهم إن كانت الضرورة العطش ، حل له شربها ، ليدفع العطش عن نفسه ، وقال بعضهم يحل للمضطر إلى الطعام والشراب ،
--> ( 1 ) النهاية : كتاب الأطعمة والأشربة ، باب الأشربة المحظورة والمباحة . ( 2 ) الجزء الثاني ص 327 . ( 3 ) النهاية ، كتاب الأطعمة والأشربة ، باب الأشربة المحظورة ، ولا يخفى كلام النهاية يتم على حال وما بعده ليس فيها . ( 4 ) في ص 126 . ( 5 ) الخلاف ، كتاب الأطعمة ، مسألة 27 .