الشيخ راضي آل ياسين
273
صلح الحسن ( ع )
فقد بلغ الكلف بالمنكرين على الصلح حداً استساغوا به الاسترسال في ذيوله وحواشيه ، فحوَّروا ما كان ، وزوَّروا ما لم يكن . ومن هنا نسج الخيال حديث البيعة ، وكان في اللغط بهذا الحديث - المصطنع - غرض قويّ للقوة القائمة على الحكم بعد حادثة الصلح ، لأنه الدعامة التي تسند دعاواتهم باستحقاق الخلافة المزعومة ، الامر الذي تصايح المسلمون بانكاره لهم وانكارهم له ، منذ قال سفينة مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : " كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك وأول الملوك معاوية " . ثم جاءت السطحية الساذجة التي تقمصها اخواننا المؤرخون فيما جمعوه أو فيما فرّقوه من تاريخ الاسلام ، فمرّوا على هذه الاقصوصة المصطنعة كحقيقة واقعة ، وكان القليل منهم من وقف عن الفضول في الكلام ، وكان منهم من جاوز الحقيقة فخلط وخبط ، حتى نسب إلى الحسن نفسه الاعتراف بالبيعة صريحاً ! . وكان منهم من أوقعه الخلط والخبط في فرية وضيعة لا تجمل بمروءة الرجل المسلم فيما يكتبه عن سبط من أسباط نبيه العظيم ( ص ) ، فضلاً عن نبوها المكشوف بأمانة التاريخ ، فادّعى انه باع الخلافة بالمال ! ! . . ولسنا الآن بصدد الردّ على تقولات الأفاكين . ولكننا إذ نبرئ حديث الصلح بواقعه الأول الذي رضيه الفريقان من قضية البيعة المزعومة ، لا نعتمد في التبرئة الا على الفهم الذي يجب ان يفهمه المسلم من معنى البيعة ومن معنى الإمامة على حقيقتهما - هذا أولاً وأما ثانياً فلما مرّ عليك قريباً من روايات الحادثة ، ومن تصريحات ذوي الشأن في الموضوع . وما من حقيقة تتعاون على تقريرها مثل هذه الأدلة فتبقي مجالاً للشك . وقديماً اعتاد الناس أن يرجعوا في كشف الوقائع الماضية إلى أقوال المؤرخين القدامى ، ممن عاصر تلك الوقائع أو جاء بعدها بقليل أو كثير من الزمن . وكان من الجمود على هذه الطريقة ما أدى في الأجيال المتأخرة