الشيخ علي الأحمدي
40
السجود على الأرض
ولا ينافي ذلك استفادة معنى آخر من الحديث الشريف ، وهو إن العبادة والسجود لله سبحانه لا يختص بمكان دون مكان ، بل كل الأرض مسجد للمسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا وشاءوا ، وليسوا كغير المسلمين الذين خصوا العبادة بالبيع والكنائس ، وذلك لأنه قد يستفاد من كلام واحد معان متعددة وأحكام كثيرة ونكات عديدة ، بل هذا من بديع الكلام ولا سيما كلام سيد الأنبياء وإمام الفصحاء والبلغاء ، وقد أعطي جوامع الكلام ونزل على لسانه القرآن الكريم ، وربي في حجور الفصاحة وارتضع من ثدي الحكمة والبلاغة . وقد استفاد هذا المعنى من هذا الحديث الجصاص حيث قال : " إن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي جعله طهورا " ( 1 ) وإلى هذا المعنى أشار ابن حجر في الفتح أيضا في شرحه لهذا الحديث حيث قال : " وجعلت لي الأرض مسجدا " أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ( 2 ) أقول : يعني لم يجعل المسجد بمعنى المصلى مجازا بل حمله على حقيقته ، وإليه أشار أيضا القسطلاني في شرح الحديث حيث قال " مسجد أي موضع سجود " ( 3 ) كما أنه قال في باب التيمم في شرحه للحديث : " جعلت لي الأرض طهورا . . . احتج به مالك وأبو حنيفة على جواز
--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 389 . ( 2 ) فتح الباري ج 1 ص 370 . ( 3 ) إرشاد الساري ج 1 ص 435 .