ابن كثير
666
السيرة النبوية
ومنهم رضي الله عنهم المقداد بن الأسود أبو معبد الكندي ، حليف بني زهرة . قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن المقداد بن الأسود قال : قدمت المدينة أنا وصاحبان ، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد ، فأتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ، فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز ، فقال : " احلبهن يا مقداد ، وجزئهن أربعة أجزاء ، وأعط كل إنسان جزءا " فكنت أفعل ذلك . فرفعت للنبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فاحتبس ، واضطجعت على فراشي فقالت لي نفسي : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى أهل بيت من الأنصار ، فلو قمت فشربت هذه الشربة . فلم تزل بي حتى قمت فشربت جزأه ، فلما دخل في بطني وتقار أخذني ما قدم وما حدث ، فقلت : يجئ الآن النبي صلى الله عليه وسلم جائعا ظمآنا فلا يرى في القدح شيئا ، فسجيت ثوبا على وجهي . وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم ، فكشف عنه فلم ير شيئا ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : " اللهم اسق من سقاني ، وأطعم من أطعمني " . فاغتنمت دعوته وقمت فأخذت الشفرة فدنوت إلى الأعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لأذبحها ، فوقعت يدي على ضرع إحداهن فإذا هي حافل ، ونظرت إلى الأخرى فإذا هي حافل ، فنظرت فإذا هن كلهن حفل ، فحلبت في إناء فأتيته به فقلت : اشرب . فقال : " ما الخبر يا مقداد ؟ " فقلت : اشرب ثم الخبر . فقال : " بعض سوأتك يا مقداد " فشرب ثم قال : " اشرب " فقلت : اشرب يا نبي الله ، فشرب حتى تضلع ثم أخذته فشربته ، ثم أخبرته الخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هيه " فقلت : كان كذا وكذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذه بركة منزلة من السماء أفلا أخبرتني