ابن كثير

569

السيرة النبوية

فاطمة رضي الله عنها ، بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة ، كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج ، ولم يكن على مجانبا لأبي بكر هذه الستة الأشهر ، بل كان يصلى وراءه ويحضر عنده للمشورة ، وركب معه إلى ذي القصة . وفى صحيح البخاري أن أبا بكر رضي الله عنه صلى العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال ، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن علي يلعب مع الغلمان ، فاحتمله على كاهله وجعل يقول : يا بأبي شبه النبي * ليس شبيها بعلي ؟ وعلى يضحك . ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك ، والمثبت مقدم على النافي كما تقدم وكما تقرر . والله أعلم . * * * وأما تغضب فاطمة رضي الله عنها وأرضاها على أبى بكر رضي الله عنه وأرضاه فما أدرى ما وجهه . فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله ، وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا نورث ما تركنا صدقة " وهي ممن تنقاد لنص الشارع الذي خفى عليها قبل سؤالها الميراث ، كما خفى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخبرتهن عائشة بذلك ، ووافقنها عليه . وليس يظن بفاطمة رضي الله عنها أنها اتهمت الصديق رضي الله عنه فيما أخبرها به ، حاشاها وحاشاه من ذلك ، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو هريرة ، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين . كما سنبينه قريبا .