ابن كثير
528
السيرة النبوية
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر ، ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد . فقال أبو بكر وعمر - وهما في الصف الأول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه ، ونصح لامته ، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته ، وأومن به وحده لا شريك له ، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه ، واجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به ، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، لا نبتغي بالايمان به بدلا ولا نشتري به ثمنا أبدا . فيقول الناس : آمين آمين . ويخرجون ويدخل آخرون ، حتى صلى الرجال ، ثم النساء ، ثم الصبيان . وقد قيل : إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء ، وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه . كما سيأتي بيان ذلك قريبا . والله أعلم . وهذا الصنيع ، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه ، أمر مجمع عليه لا خلاف فيه . وقد اختلف في تعليله . فلو صح الحديث الذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك ، ويكون من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه ( 1 ) . وليس لاحد أن يقول : لأنه لم يكن لهم إمام ، لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه عليه السلام بعد تمام بيعة أبى بكر رضي الله عنه وأرضاه . وقد قال بعض العلماء : إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه ، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم ونسائهم وصبيانهم حتى العبيد والإماء .
--> ( 1 ) ت : الذي نعقل .