ابن كثير
49
السيرة النبوية
الله عز وجل هو الذي يطلقهم ، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " . فلما أن بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا . فأنزل الله عز وجل : " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " الآية . " وعسى " من الله واجب . فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم ، فجاءوا بأموالهم وقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا . فقال : " ما أمرت أن آخذ أموالكم " . فأنزل الله : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم إن الله سميع عليم " إلى قوله : " وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم " . وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري ، فأرجئوا حتى نزل قوله تعالى : " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه " إلى آخرها . وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه . وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبى لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربطه نفسه حتى تيب عليه ، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه ، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يكفيك من ذلك الثلث " . قال مجاهد وابن إسحاق : وفيه نزل : " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " الآية . قال سعيد بن المسيب : ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام إلا خير رضي الله عنه وأرضاه . قلت : ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه ، واقتصروا على ذكره لأنه كان كالزعيم لهم ، كما دل عليه سياق ابن عباس . والله أعلم .