ابن كثير
456
السيرة النبوية
خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، وإن قوما ممن كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد ، فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك . وقد رواه مسلم في صحيحه عن إسحاق بن راهويه بنحوه . وهذا اليوم الذي كان قبل وفاته عليه السلام بخمسة أيام هو يوم الخميس الذي ذكره ابن عباس فيما تقدم . وقد روينا هذه الخطبة من طريق ابن عباس . قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ ، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، حدثنا يوسف بن يعقوب - هو ابن عوانة الأسفراييني - قال : حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنه ليس من الناس أحد أمن على بنفسه وماله من أبى بكر ، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلة الاسلام أفضل ، سدوا عنى كل خوخة في المسجد غير خوخة أبى بكر . رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد الجعفي ، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن أبيه به . وفى قوله عليه السلام : " سدوا عنى كل خوخة - يعنى الأبواب الصغار - إلى المسجد غير خوخة أبى بكر " إشارة إلى الخلافة ، أي ليخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين . وقد رواه البخاري أيضا من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ( 1 ) ملتحفا بملحفة على منكبيه ، فجلس على المنبر فذكر الخطبة ، وذكر فيها الوصاة بالأنصار إلى أن قال : فكان آخر مجلس جلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض - يعنى آخر خطبة خطبها عليه السلام .
--> ( 1 ) الدسماء : التي يضرب لونها إلى السواد .