ابن كثير
444
السيرة النبوية
ثم أقبل على فقال : يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة . قال : قلت : بأبي أنت وأمي ! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة . قال : لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى والجنة . ثم استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف فبدئ برسول الله وجعه الذي قبضه الله فيه . لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب . وإنما رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق به . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا الحكم بن فضيل ، حدثنا يعلى بن عطاء ، عن عبيد بن جبير ، عن أبي مويهبة ، قال : أمر رسول الله أن يصلى على أهل البقيع ، فصلى عليهم ثلاث مرات ، فلما كانت الثالثة قال : يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي . قال : فركب ومشيت حتى انتهى إليهم ، فنزل عن دابته وأمسكت الدابة فوقف . أو قال - قام عليهم - فقال : ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس ، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا ، الآخرة أشد من الأولى ، فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس . ثم رجع فقال : يا أبا مويهبة إني أعطيت ، أو قال : خيرت ، بين مفاتيح ما يفتح على أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربى . قال فقلت : بأبي أنت وأمي فاخترنا . قال : لان ترد على عقبها ما شاء الله ( 1 ) ، فاخترت لقاء ربى . فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض . وقال عبد الرزاق عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن ، وخيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل ، فاخترت التعجيل .
--> ( 1 ) المعنى خشيته من فتنة أمته بالدنيا ، فلم يرتض طول الإقامة فيها .