ابن كثير

427

السيرة النبوية

سنة إحدى عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة وقد استقر الركاب الشريف النبوي بالمدينة النبوية المطهرة ، مرجعه من حجة الوداع . وقد وقعت في هذه السنة أمور عظام ، من أعظمها خطبا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه عليه السلام نقله الله عز وجل من هذه الدار الفانية إلى النعيم الأبدي في محلة عالية رفيعة ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى كما قال تعالى : " وللآخرة خير لك من الأولى ، ولسوف يعطيك ربك فترضى " . وذلك بعد ما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بإبلاغها ، ونصح أمته ودلهم على خير ما يعلمه لهم ، وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة عليهم في دنياهم وأخراهم ، وقد قدمنا ما رواه صاحبا الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنه قال : نزل قوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة . وروينا من طريق جيد : أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى ، فقيل : ما يبكيك ؟ فقال : إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان . وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وقد أشار عليه السلام إلى ذلك فيما رواه مسلم من حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند جمرة العقبة وقال لنا : " خذوا عنى مناسككم ، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا " . وقدمنا ما رواه الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة