ابن كثير

28

السيرة النبوية

للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه . فجاء بي ، فدفع إلى هرقل كتابا فقال : اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ، فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال : انظر هل يذكر صحيفته إلى التي كتب بشئ وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ؟ وانظر في ظهره هل به شئ يريبك ؟ قال : فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك ، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء ، فقلت : أين صاحبكم ؟ قيل : ها هو ذا . فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه ، فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال : " ممن أنت " فقلت أنا أخو تنوخ : قال : " هل لك إلى الاسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم ؟ " قلت : إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم . فضحك وقال : " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه ، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق ملكه . وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها ، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير " . قلت : هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي . فأخذت سهما من جعبتي فكتبتها في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قلت : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا : معاوية فإذا في كتاب صاحبي : تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله ! أين الليل إذا جاء النهار " . قال : فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي . فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال : " إن لك حقا وإنك لرسول ، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها ، إنا سفر مرملون " قال : فناداه رجل من طائفة الناس قال :