ابن كثير
66
السيرة النبوية
عليه : أي عباد الله ( 1 ) أخراكم . فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال : أي عباد الله أبى أبى ! قال : قالت : فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه . فقال حذيفة : يغفر الله لكم . قال عروة : فوالله ما زال في حذيفة بقية خير ( 2 ) حتى لقي الله عز وجل . قلت : كان سبب ذلك أن اليمان وثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما وضعفهما ، فقالا : إنه لم يبق من آجالنا إلا ظمء ( 3 ) حمار . فنزلا ليحضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين ، فأما ثابت فقتله المشركون ، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ . وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين ، ولم يعاتب أحدا منهم ، لظهور العذر في ذلك . * * * فصل قال ابن إسحاق : وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى سقطت على وجنته ، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، فكانت أحسن عينيه وأحدهما . وفى الحديث عن جابر بن عبد الله ، أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده ، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها ، فكانت أحسن عينيه وأحدهما ، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى . وروى الدارقطني بإسناد غريب ، عن مالك ، عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن أخيه قتادة بن النعمان قال : أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي ، فأتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان .
--> ( 1 ) يريد المسلمين ، أي احترزوا من الذين وراءكم متأخرين عنكم ، ليقتل بعض المسلمين بعضا . ( 2 ) وقيل : بقية حزن . القسطلاني 6 / 300 ( 3 ) الظمء : ما بين الشربتين والوردين ، والمراد : ما بقي إلا يسير ، لأنه ليس شئ أقصر ظمأ منه .