ابن كثير
53
السيرة النبوية
راميا ، وكان إذا رمى رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه ، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول : هكذا ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يصيبك سهم ، نحري دون نحرك . وكان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : إني جلد يا رسول الله ، فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت . وقال البخاري : حدثنا أبو معمر ( 1 ) ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عبد العزيز ( 2 ) ، عن أنس قال : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بحجفة ( 3 ) له ، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا ، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول ( 4 ) : انثرها لأبي طلحة . قال : ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك . ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان ( 5 ) القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ، ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم . ولقد وقع السيف من يدي أبى طلحة إما مرتين وإما ثلاثا . قال البخاري : وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا ، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه . هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ، ويشهد له قوله تعالى " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق
--> ( 1 ) هو عبد الله بن عمرو العقدي . ( 2 ) هو عبد العزيز بن صهيب . ( 3 ) مجوب : مترس عليه يحميه . والحجفة : ترس من جلد . ( 4 ) القائل هو النبي صلوات الله وسلامه عليه ( 5 ) خدم سوقهما : خلاخيلهما . قال القسطلاني : وذلك محمول على نظر الفجأة . وتنقزان : تثبان وتفرغان القرب .