ابن كثير
47
السيرة النبوية
على المؤمنين " وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال : احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا . فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا ، فدخلوا في العسكر ينهبون ، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم هكذا ، وشبك بين أصابع يديه ، والتبسوا . فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا ، فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار ، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار ، إنما كانت تحت المهراس . وصاح الشيطان : قتل محمد ، فلم يشك فيه أنه حق ، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفيه إذا مشى . قال : ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا . قال : فرقى نحونا وهو يقول : اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله . ويقول مرة أخرى : اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا . حتى انتهى إلينا . فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل : اعل هبل ، اعل هبل ، مرتين ، يعنى آلهته ، أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر بن الخطاب : ألا أجيبه ؟ قال : بلى . قال : فلما قال : اعل هبل قال : الله أعلى وأجل . قال أبو سفيان : يا بن الخطاب قد أنعمت عينها ( 1 ) ، فعاد عنها ، أو فعال عنها .
--> ( 1 ) يريد الحرب . وفعال : أمر ، أي عال عنها وأقصر عن لومها .