ابن كثير

317

السيرة النبوية

فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال : يا محمد أجمعت أو شاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم ؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا ، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا . قال : وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : امصص بظر اللات ! أنحن ننكشف عنه ؟ قال : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أبي قحافة . قال : أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ، ولكن هذه بهذه . قال : ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه ، والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد ، قال : فجعل يقرع يده إذ يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك . قال : فيقول عروة : ويحك ما أفظك وأغلظك ! . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ! قال الزهري : فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه ، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا ، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه ، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه ، فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه ، وإني والله ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ! ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا ، فروا رأيكم .