ابن كثير

28

السيرة النبوية

وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بني سلمة وبنى حارثة لما رجع عبد الله بن أبي وأصحابه همتا أن تفشلا ، فثبتهما الله تعالى ، ولهذا قال : " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون " . قال جابر بن عبد الله : ما أحب أنها لم تنزل والله يقول : " والله وليهما ( 1 ) " كما ثبت في الصحيحين عنه . * * * قال ابن إسحاق : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة ، فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب ( 2 ) سيف فاستله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب السيف : شم سيفك . أي أغمده ، فإني أرى السيوف ستسل اليوم . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : من رجل يخرج بنا على القوم من كثب - أي من قريب - من طريق لا يمر بنا عليهم ؟ فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث : أنا يا رسول الله . فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم ، حتى سلك به في مال لمربع ابن قيظي ، وكان رجلا منافقا ضرير البصر ، فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب ويقول : إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي . قال ابن إسحاق : وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال : والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك . فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه ، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر . وقد

--> ( 1 ) اية 122 سورة آل عمران - أي لما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية . ( 2 ) الكلاب : ذؤابة السيف .