ابن كثير
239
السيرة النبوية
ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق ، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق ، فخرج بهم إليه أرسالا ، وفيهم عدو الله حيى بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة ، والمكثر لهم يقول : كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة . قلت : وقد تقدم فيما رواه الليث عن أبي الزبير عن جابر أنهم كانوا أربعمائة فالله أعلم . قال ابن إسحاق : وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا : يا كعب ما تراه يصنع بنا ؟ قال : أفي كل موطن لا تعقلون ! ألا ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب به منكم لا يرجع ، هو والله القتل ! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم ، وأتى بحيي بن أخطب وعليه حلة له فقاحية ( 1 ) قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل . فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكنه من يخذل الله يخذل ! ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس ، إنه لا بأس بأمر الله ، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل ! ثم جلس فضربت عنقه . فقال جبل بن جوال الثعلبي : لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغي العز كل مقلقل ( 2 )
--> ( 1 ) الفقاح : الزهر إذا انشقت أكمته . والمراد أنها كانت تضرب إلى الحمرة . قال ابن هشام : فقاحبة : ضرب من الوشى . ( 2 ) قلقل : سعى وتحرك .