ابن كثير

189

السيرة النبوية

سفيان ، عن أبي الزبير ، حدثنا ابن ميناء ، سمعت جابر بن عبد الله قال : لما حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصا ( 1 ) ، فانكفأت إلى امرأتي فقلت : هل عندك شئ ، فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا ؟ فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن ( 2 ) ، فذبحتها ، فطحنت ، ففرغت إلى فراغي ، وقطعتها في برمتها ، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه ، فجئته فساررته فقلت : يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا ، وطحنت صاعا من شعير كان عندنا ، فتعال أنت ونفر معك . فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سؤرا ( 3 ) فحيهلا بكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ . فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس ، حتى جئت امرأتي فقالت : بك وبك . فقلت : قد فعلت الذي قلت . فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبسق وبارك ، ثم قال : ادع خبازة فلتخبز معك ، واقدحي ( 4 ) من برمتك ولا تنزلوها . وهم ألف ، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا ، وإن برمتنا لتغط ( 5 ) كما هي وإن عجيننا كما هو . ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر ، عن أبي عاصم به نحوه . * * *

--> ( 1 ) الخمص : ضمور البطن من الجوع . ( 2 ) البهيمة : بضم الباء تصغير بهمة وهي الصغير ومن أولاد الغنم . والداجن : ما يربى في البيوت من الغنم ولا تخرج إلى المرعى . ( 3 ) سؤرا : يروى بالهمزة ، وفى اليونينية بتركها : وهو الطعام الذي يدعى إليه ، وهي لفظة فارسية ، وهذا دليل على تكلم الرسول بالفارسية . والسؤر بالهمز : البقية . ( 4 ) اقدحي : اغرفي . ( 5 ) تغط : تفور بحيث يسمع لها غطيط .