ابن كثير

129

السيرة النبوية

قال : ثم قتله نسطاس . قال : وأما خبيب بن عدي : فحدثني عبد الله بن أبي نجيح أنه حدث عن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب ، وكانت قد أسلمت ، قالت : كان عندي خبيب حبس في بيتي ، فلقد اطلعت عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه ، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل ! قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي نجيح أنهما قالا : قالت : قال لي حين حضره القتل : ابعثي إلى بحديدة أتطهر بها للقتل . قالت : فأعطيت غلاما من الحي الموسى ، فقلت له : ادخل بها على هذا الرجل البيت . فقالت : فوالله إن هو إلا أن ولى الغلام بها إليه فقلت : ماذا صنعت ؟ ! أصاب والله الرجل ثأره ، يقتل هذا الغلام فيكون رجلا برجل . فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال : لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلى ! ثم خلى سبيله . قال ابن هشام : ويقال إن الغلام ابنها . قال ابن إسحاق : قال عاصم : ثم خرجوا بخبيب حتى جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه . وقال لهم : إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا ، قالوا : دونك فاركع . فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال : أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة . قال : فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين ( 1 ) .

--> ( 1 ) في هامش الأصل : " حاشية بخط المصنف . قال السهيلي : وإنما صارت سنة لأنها فعلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واستحسنت من صنيعه ، قال : وقد صلاها زيد بن حارثة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . ثم ساق بإسناده من طريق أبى بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معين ، عن يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن الليث بن سعد قال : بلغني أن زيد بن حارثة استأجر من رجل بغلا من الطائف واشترط عليه الكرى أن ينزله حيث شاء ، فمال به إلى خربة فإذا بها قتلى كثيرة ، فلما هم بقتله قال له زيد : دعني حتى أصلى ركعتين . فقال : صل ركعتين ، فطالما صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا ! قال : فصليت ثم جاء ليقتلني فقلت : يا أرحم الراحمين ، فإذا صارخ يقول : لا تقتله . فهاب وذهب ينظر فلم ير شيئا ، ثم جاء ليقتلني فقلت : يا أرحم الراحمين . فسمع أيضا الصوت يقول لا تقتله . فذهب لينظر ثم جاء ، فقلت يا أرحم الراحمين ، فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة في رأسها شعلة من نار فطعنه بها حتى أنفذه فوقع ميتا ، ثم قال : لما دعوت الله في المرة الأولى كنت في السماء السابعة ، ولما دعوته في المرة الثانية كنت في السماء الدنيا ، ولما دعوته في الثالثة أتيتك . قال السهيلي : وقد صلاها حجر بن عدي بن الأدبر حين حمل إلى معاوية من العراق ومعه كتاب زياد ابن أبيه وفيه : أنه خرج عليه وأراد خلعه ، وفى الكتاب شهادة جماعة من التابعين منهم الحسن وابن سيرين ، فلما دخل على معاوية قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . قال : أو أنا أمير المؤمنين ؟ وأمر بقتله . فصلى ركعتين قبل قتله ثم قتل رحمه الله . قال : وقد عاتبت عائشة معاوية في قتله فقال : إنما قتله من شهد عليه ، ثم قال : دعيني وحجرا فإني سألقاه على الجادة يوم القيامة ! . قالت : فأين ذهب عنك حلم أبي سفيان ؟ قال : حين غاب مثلك من قومي " اه‍ .