ابن كثير
84
السيرة النبوية
هؤلاء أصحابه كما ترون ، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق ، لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا . فأنزل الله عز وجل فيهم : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شئ ، وما من حسابك عليهم من شئ ، فتطردهم فتكون من الظالمين ، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا . أليس الله بأعلم بالشاكرين . وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ( 1 ) " . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة ( 2 ) غلام نصراني يقال له جبر ، عبد لبني الحضرمي ، وكانوا يقولون : والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم " إنما يعلمه بشر . لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ( 3 ) " . ثم ذكر نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل حين قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه أبتر . أي لا عقب له . فإذا مات انقطع ذكره . فقال الله تعالى : " إن شانئك هو الأبتر " أي المقطوع الذكر بعده ، ولو خلف ألوفا من النسل والذرية ، وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الأولاد والأنسال والعقب . وقد تكلمنا على هذه السورة في التفسير . ولله الحمد .
--> ( 1 ) سورة الأنعام 52 - 54 . ( 2 ) الأصل بيعة وما أثبته عن ابن هشام . والمبيعة : مفعلة مثل المعيشة . ( 3 ) سورة النحل 103 .