ابن كثير
77
السيرة النبوية
فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، للذي ذخر الله للأنصار . فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو ، وهاجر معه رجل من قومه ، فاجتووا ( 1 ) المدينة ، فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه ( 2 ) ، فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات . فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة ، ورآه مغطيا يديه ، فقال له : ما صنع ربك ؟ فقال : غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم . قال : فما لي أراك مغطيا يديك ؟ قال : قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت ! قال : فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم وليديه فاغفر " . رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن سليمان ابن حرب به . فإن قيل : فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق الحسن ، عن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع ، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات ، فقال الله عز وجل عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة " . فالجواب من وجوه : أحدها : أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن . ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار ، وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته .
--> ( 1 ) اجتووا المدينة : كرهوا المقام بها لضجر وسقم . ( 2 ) المشاقص : جمع مشقص وهو سهم فيه نصل عريض : والبراجم : مفاصل الأصابع .