ابن كثير
65
السيرة النبوية
رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية . فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة ، حتى إذا بلغ برك الغماد ( 1 ) لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة ( 2 ) ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربى . فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله ، إنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار ، فارجع فاعبد ربك ببلدك . فرجع ، وارتحل معه ابن الدغنة ، وطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ ! فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة ، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل فيها ، وليقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا . فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر . فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره . ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن . فيتقذف ( 1 ) نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينه إذا قرأ القرآن .
--> ( 1 ) برك الغماد : موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر . وقد حكى في الباء الضم والكسر ( 2 ) قبيلة تشتهر بالرمي ولهم ما يقال : قد أنصف القارة من راماها . ( 3 ) أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضا فيتساقطون عليه . ورواية المواهب : " فيتقصف " أي يزدحم ورواية المروزي والمستملي : فينقذف بالنون . شرح المواهب 1 / 289 .