ابن كثير

542

السيرة النبوية

صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر ، فأردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي ، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال ، وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت ، فإذا أنا بشار في قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما ، فلم أملك عيني حين رأت المنظر ، فقلت : من فعل هذا ؟ قالوا : فعله حمزة بن عبد المطلب ، وهو في هذا البيت وهو في شرب من الأنصار وعنده قينته وأصحابه ، فقالت في غنائها : * ألا يا حمز للشرف النواء * فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما . قال على : فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة ، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت ، فقال : ما لك ؟ فقلت : يا رسول الله ما رأيت كاليوم ! عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما ، وها هو ذا في البيت معه شرب . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه ، ثم انطلق يمشى واتبعته أنا وزيد بن حارثة ، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له ، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه ، فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ، صعد النطر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي ! فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه . هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي ، وقد رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة .