ابن كثير

401

السيرة النبوية

قلت : وفى هذا قوله تعالى " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام " ( 1 ) . فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا ، وأنه ثبت أقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر ، وهذا تثبيت الباطن والظاهر ، وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله : " إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم ، فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق " أي على الرؤوس " واضربوا منهم كل بنان " أي لئلا يستمسك منهم السلاح " ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ، ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار " ( 2 ) . قال ابن جرير : حدثني هارون بن إسحاق ، حدثنا مصعب بن المقدام ، حدثنا إسرائيل ، حدثنا أبو إسحاق ، عن حارثة ، عن علي بن أبي طالب ، قال : أصابنا من من الليل طش ( 3 ) من المطر ، يعنى الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر ، فانطلقنا تحت الشجر والحجف ( 4 ) نستظل تحتها من المطر ، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى قائما يصلى ، وحرض على القتال . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن شعبة عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي ، قال : ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح . وسيأتي هذا الحديث مطولا .

--> ( 1 ) سورة الأنفال 12 . ( 2 ) سورة الأنفال 13 ، 14 . ( 3 ) الطش : المطر الضعيف ، وهو فوق الرذاذ . ( 4 ) الحجف : جمع حجفة وهي الترس الصغير يطارق بين جلدين .