ابن كثير
392
السيرة النبوية
ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله امض لما أراك الله ، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ( 1 ) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشيروا على أيها الناس " وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم كانوا عدد الناس ، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم . فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له سعد بن معاذ : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : " أجل " قال : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك ، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر على بركة الله . قال : فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ، ثم قال : " سيروا
--> ( 1 ) برك الغماد : قال الحازمي : موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن . وقال البكري : هي أقاصي هجر . وقال الهمداني : هو في أقصى اليمن من شرح المواهب 1 / 412 .