ابن كثير

375

السيرة النبوية

ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء ، أن أول صلاة صلاها عليه السلام إلى الكعبة بالمدينة العصر . والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني ، كما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر ، قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها . وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة . وفى صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك * * * والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ، ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس ، طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والأغبياء ، قالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله ، لما يجدونه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم ، من أن المدينة مهاجره ، وأنه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال : " وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم " الآية . وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم ، ونعتهم فقال : " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها . قل : لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم " أي هو المالك المتصرف ، الحاكم الذي لا معقب لحكمه ، الذي يفعل ما يشاء في خلقه ، ويحكم ما يريد في شرعه ، وهو الذي يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ، ويضل من يشاء عن الطريق القويم ، وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم .