ابن كثير

373

السيرة النبوية

وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدى ، فسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة . قال الجمهور الأعظم : إنما صرفت في النصف من شعبان ، على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة . ثم حكى عن محمد بن سعد ، عن الواقدي ، أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان ، وفى التحديد نظر . والله أعلم . وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى : " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعلمون " . وما قبلها وما بعدها ، من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك ، لأنه أول نسخ وقع في الاسلام . هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله " ما ننسخ من آية أو ننسها ، نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير " . وقد قال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، سمع زهيرا ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشرا شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر ، وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة . فداروا كما هم قبل البيت . وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا ، لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله " وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم "