ابن كثير
250
السيرة النبوية
وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فكانوا دون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة . فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود إلى أطم ( 1 ) من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين ( 2 ) يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون . فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة ، يعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول . فقام أبو بكر للناس ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر ، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك . فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى ، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم ركب راحلته وسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين . وكان مربدا للتمر
--> ( 1 ) الأطم : الحصن . ( 2 ) مبيضين : عليهم الثياب البيض التي كساها إياهم الزبير وطلحة . وقال ابن التين : يحتمل أن معناها مستعجلين ، قال ابن فارس : يقال : بائض أي مستعجل شرح المواهب 1 / 350 .