ابن كثير

245

السيرة النبوية

فذكرت ما كان من رده لأبي بكر إلى مكة وجواره له . كما قدمناه عند هجرة الحبشة إلى قوله : فقال أبو بكر : فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله . قالت : والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين : " إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين " وهما الحرتان . فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة إلى المدينة . وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال : نعم . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر ، وهو الخبط ، أربعة أشهر ، وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر . قال ابن شهاب : قال عروة : قالت عائشة : فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبى بكر في حر الظهيرة ، فقال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر : فداء له أبى أمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر ! قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له ، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أخرج من عندك . فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله . قال : فإنه قد أذن لي في الخروج . فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت أمي ! قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم . قال أبو بكر : فخذ أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بالثمن .