ابن كثير

220

السيرة النبوية

فحدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن أبيه قال : اتعدنا لما أردت الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب من إضاة بني غفار فوق سرف ، وقلنا : أينا لم يصبح عندها فقد حبس ، فليمض صاحباه . قال : فأصبحت أنا وعياش عند التناضب ، وحبس هشام وفتن فافتتن . فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء ، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش ، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما ، حتى قدما المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فكلماه وقالا له : إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ، ولا تستظل من شمس حتى تراك . فرق لها ، فقلت له : إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت ! قال : فقال : أبر قسم أمي ، ولى هنالك مال فأخذه . قال : قلت : والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما . قال : فأبى على إلا أن يخرج معهما ، فلما أبى إلا ذلك قلت : أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها ، فإن رابك من أمر القوم ريب فانج عليها . فخرج عليها معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل : يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال : بلى . فأناخ وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن . قال عمر : فكنا نقول : لا يقبل الله ممن افتتن توبة . وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم .