ابن كثير
168
السيرة النبوية
وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا . ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر . وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا . فقال المثنى : قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش ، وأعجبني ما تكلمت به ، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة ، وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا ، وإنا إنما نزلنا بين صريين أحدهما اليمامة ، والآخر السماوة ( 1 ) . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما هذان الصريان ؟ فقال له : أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب ، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى ، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ، ولا نؤوي محدثا ، ولعل هذا الامر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك ، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور ، وعذره مقبول ، وأما ما كان [ مما ] يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور ، وعذره غير مقبول . فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق ، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم ، أتسبحون الله وتقدسونه ؟ فقال له النعمان بن شريك : اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ! فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " .
--> ( 1 ) اللسان 19 / 192 : " وإنما نزلنا الصريين اليمامة والسمامة هما تثنية صرى . وهو كل ماء مجتمع "