ابن كثير

449

السيرة النبوية

فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة ، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا ، فحسدنا قومه فقالوا له : إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس . فجاء خالنا فنثى ما قيل له ( 1 ) فقلت له : أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ، ولا جماع لنا فيما بعد . قال : فقربنا صرمتنا ( 2 ) فاحتملنا عليها ، وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكى . قال : فانطلقنا حتى نزلنا حضرة مكة ، قال فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها ، فأتيا الكاهن فخير أنيسا . فأتانا بصرمتنا ومثلها . وقد صليت يا بن أخي ، قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين . قال : قلت لمن ؟ قال : لله . قلت : فأين توجه ؟ قال : حيث وجهني الله . قال : وأصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألفيت كأني خفاء ( 3 ) حتى تعلوني الشمس . قال : فقال أنيس : إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك . قال : فانطلق فراث ( 4 ) على ، ثم أتاني فقلت : ما حبسك قال : لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك ، قال : فقلت : ما يقول الناس له ؟ قال : يقولون إنه شاعر وساحر . وكان أنيس شاعرا . قال : فقال : لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم ، وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر ، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون . قال : فقلت له : هل أنت كافي حتى أنطلق ؟ قال : نعم ! وكن من أهل مكة على حذر ، فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له .

--> ( 1 ) نثى ما قيل له : أظهره وحدث به . ( 2 ) الصرمة : القطعة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين ( 3 ) الخفاء : الكساء . ( 4 ) راث : أبطأ .