ابن كثير

412

السيرة النبوية

فصل قال البخاري في روايته المتقدمة : ثم فتر الوحي حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى نفسه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا . فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع . فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك . وفى الصحيحين من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : سمعت أبا سلمة عبد الرحمن يحدث عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي قال : فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء ، فجثيت منه ، فرقا حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني . فأنزل الله : " يا أيها المدثر قم فأنذر . وربك فكبر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر " . قال : ثم حمى الوحي وتتابع . فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي لا مطلقا ، ذاك قوله ( 1 ) " اقرأ باسم ربك الذي خلق " . وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل " يا أيها المدثر " واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه ، فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجئ الملك الذي عرفه ثانيا بما عرفه

--> ( 1 ) أي أن أول ما نزل مطلقا هو " اقرأ " .